الشوكاني

161

نيل الأوطار

أكثر خصاله . وظاهره أنه ليس من شرط الاجر الذي هو الجنة أن لا يحصل من القاضي جور أصلا ، بل المراد أن يكون جوره مغلوبا بعدله ، فلا يضر صدور الجور المغلوب بالعدل ، إنما الذي يضر ويوجب النار أن يكون الجور غالبا للعدل ، قيل : هذا الحديث محمول على ما إذا لم يوجد غير هذا القاضي الذي طلب القضاء جمعا بينه وبين أحاديث الباب . وقد تقدم طرف من الجمع ، وبقي الكلام في استحقاق الأمير للإعانة هل يكون بمجرد إعطائه لها من غير مسألة كما يدل عليه حديث عبد الرحمن بن سمرة المذكور في الباب ؟ أم لا يستحقها إلا بالاكراه والإجبار كما يدل عليه حديث أنس المذكور أيضا ؟ فقال ابن رسلان : إن المطلق مقيد بما إذا أكره على الولاية وأجبر على قبولها ، فلا ينزل الله إليه الملك يسدده إلا إذا أكره على ذلك جبرا ، ولا يحصل هذا لمن عرضت عليه الولاية فقبلها من دون إكراه كما في لفظ الترمذي من رواية بلال بن مرداس : ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده . وقال : حسن غريب . ولا يخفى ما في حديث أنس من المقال الذي قدمناه مع اضطراب ألفاظه التي أشرنا إلى بعضها ، وأكثر ألفاظه بدون ذكر الاجبار والاكراه ، كما في سنن أبي داود وغيرها ، على أنه على فرض صحته وصلاحيته لا معارضة بينه وبين حديث عبد الرحمن بن سمرة ، لأن حديث عبد الرحمن فيه أن من أعطي الامارة من غير مسألة أعين عليها وليس فيه نزول الملك للتسديد . وحديث أنس فيه أن من أجبر نزل عليه ملك يسدده ، فغايته أن الإعانة تحصل بمجرد إعطاء الامارة من غير مسألة ، بخلاف نزول الملك فلا يحصل إلا بالاجبار ، فلا معارضة ولا إطلاق ولا تقييد إلا في حديث أنس نفسه ، فيمكن أن يحمل المطلق من ألفاظه عن الاجبار والاكراه بالمقيد بهما إذا انتهض لذلك . لا يقال : إن إنزال الملك للتسديد نوع من الإعانة فتثبت المعارضة . لأنا نقول : بعض أنواع الإعانة لا يعارض البعض الآخر .